مسـمار جحـا

ثنائية الذاكرة والسيادة

بين الذاكرة التاريخية والسيادة الوطنية ارتباط وثيق، فكليهما يكمّل الآخر ويسهم في صونه وجعله عملا مؤطرا مؤسّسا بعيدا عن العبثية والعدمية، فلا يمكن بناء السيادة الوطنية على ذاكرة جوفاء فارغة، كما لا يمكن حماية الذاكرة التاريخية في غياب السيادة الوطنية التي توصلنا إلى عمق هذه الذاكرة. إذن العلاقة الثنائية بين الذاكرة والسيادة هي متبادلة تفاعلية وبراغماتية، فهما يعملان جنبا إلى جنب ولا ينفصلان، فلا ذاكرة دون سيادة ولا سيادة دون ذاكرة، لذلك عمدت السلطات الجزائرية، مؤخرا، إلى تفعيل الذاكرة الوطنية الجماعية وجعلها «إسمنتا مسلّحا» لتكريس السيادة الوطنية التي ضحى في سبيل استرجاعها ملايين الجزائريين الذين فقدوا أرواحهم في ميدان الشرف، وحري بنا الآن مواصلة العمل للحفاظ عليها وتفعيلها أكثر وأكثر، وليس لذلك سبيلا سوى تقديم الذاكرة الوطنية بطريقة أكاديمية فعالة تحوي الجيل الجديد وتجيب على أسئلته حول ما جرى في تلك الحقبة التاريخية التي صنعت مجد الأمة الجزائرية، ومن ثم التأسيس لأرضية الاعتزاز بماضينا لاستلهام الدروس والقيم التي تدفعنا نحو عهد جديد من البناء والتشييد وكلنا فخر بتاريخنا المجيد. وستكون هذه الخطوة لبنة لتحقيق «الكرامة الوطنية» التي تجنّبنا جلد الذات والانبهار بالآخر، الذي لا يملك من وسائل سوى الإغواء والإغراء، خصوصا وسط افتقارنا لما نواجه به لنقنع أنفسنا وغيرنا بأن قادرين على إثبات ذواتنا انطلاقا من ماضينا رغم ما يمكن أن نعده في خانة النقائص. وقد تكون أهم خطوة لتجاوز هذه النقائص هي تعلّم عدم التنازل عن شيء نريد بلوغه مهما كانت الصعاب، وكما لم يتنازل أسلافنا عن الوطن وحاربوا من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية، علينا عدم التنازل عن الدفاع عن الذاكرة التي تركوها إرثا لنا لا يقبل المتاجرة به، بل بالعكس هو يصلح ليكون قاعدة للصلابة والمقاومة من أجل تحقيق انتصارات جديدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى