ثقافة

مبدعو الجزائر يرحلون تباعا والثقافة تنتظر خلفا لكتابة مجد جديد

من بلاحة.. إيدير ونورية وصولا إلى ڤندوز ودرياسة

رحلوا تباعا وغادرونا ولم نرافقهم سوى بدموع الحسرة وعبارات الأسف.. لا تهم أسباب الوفاة بقدر ما نلتفت -بعد أن يسكنوا تراب الخلود- إلى حجم الخسارة ونفكر في الفراغ الذي يتركونه لساحة الإبداع في وطن يدرك جيدا أن المبدعين ليسوا خالدين، لكن أن يفقد عددا هائل منهم في وقت وجيز دون أن يتم التحضير لخلف لهم -عكس أزمنة مضت أين كان التلاميذ يستعدون لاستلام المشعل بعد رحيل الأساتذة- فذلك هو العائق الكبير أمام الحفاظ على بريق الفعل الثقافي الذي تعوّدت عليه أجيال في السنوات الفارطة والتي نحن إليها اليوم.
رحل الفنان- القامة رابح درياسة، أول أمس، وقبله أسياد الخشبة من رمز حرائر الجزائر العظيمة نورية، ثم سعيد حلمي وعمر قندوز، وودع الفن كل من سفير الفن الأصيل إيدير-الذي ورغم أعوام المنفى- سكنت الجزائر قلبه وحمل اسمها إلى أكبر المحافل وطرق أبواب النجومية وهو فخور بانتمائه لها، الملحن الذي منح خبرته للمواهب وكتب لألمه النجوم محمد عنقر، محمد بناني..
كل واحد بأغنيته، بفيلمه، بلوحته التشكيلية، ببساطته واكتفائه باحترام وحب الجمهور كرس حياته للثقافة ولم ينتظر الكثير. هؤلاء حضروا الجدل حول قانون الفنان وبطاقة تضمن لهم الكرامة لكن غياب الحماية لهم لم تمنعهم من العطاء. عملوا ولم يساوموا.. أطربوا مثلوا، تألقوا ولم يتركوا سماء هذا البلد دون نجوم. في أحلك الأوقات كانوا نورا. في سنوات الدمع رسموا البسمة على الوجوه.. في أوقات الفراغ والتعاسة كانوا أصدقاء خففوا عنا عبء الوحدة وكانوا صناع الفرح.
هؤلاء رحلوا وأحلامهم وأمنياتهم بسيطة. بعيدا عن سرد سيرتهم الذاتية، علينا الاعتراف أنهم لو رفعوا سقف الطموح في مرحلة ما من حياتهم لسخرنا منهم. لو أبدوا رغبتهم في تولي منصب سياسي لقامت الدنيا رغم أنهم الأكثر فهما لمجتمعنا، وعكست أعمالهم واقع كل فترة عايشوها لكننا لم نفضل واحدا منهم مسؤولا لأن رؤيتنا للمثقف -فنانا كان أو كاتبا أو مخرجا- تختصر في ميدانه.
نحن في هذا البلد لا يمكن أن نتقبل مثقفين، كتاب أو أدباء في مناصب مسؤولية نكن لهم الحب والاحترام على كرسي السلطة كما تعلقنا بهم بين سطور الكتب، كما فعل الرئيس البوسني الراحل عزت بيغوفيتش الفيلسوف والمفكر الذي سبقه اسمه في الفلسفة والأدب قبل أن يكتشف شعبه سياسيا ورئيسا، أو الرئيس البوليفي الكاتب والمحامي آلن غارسيا، أو رئيس سلفادور الصحفي أنطونيو سقا، وغيرهم من الكتاب الذين أوكلت لهم مسؤوليات واستطاعوا أن يجعلوا من أفكارهم في الكتب طريق حياة وفن في السياسة.
في صمت كذلك الذي يصنع به الاستثناء العظماء يرحلون، في الظل كما كانوا يعملون في ازمنة لم تخنهم صحة أجسادهم وبضمير مرتاح لكونهم لم يتلاعبوا بالعواطف وتفانوا في مهنهم المختلفة والتي كان قاسمهم المشترك حين اختاروها أن تظل الثقافة الجزائرية مفخرة وحقلا خصبا كريما.
بعد سنين العطاء، وأخبار الخلود لعل ثقافتنا تثأر لهم يوما، ويعود مستوى الإنتاجات إلى ما كان عليه. هؤلاء لا زالوا أحياء في القلوب، فما مصير الخلف؟ هل تتكرر صيحة صونية على الركح؟ هل سيصدح إيدير أخر بالأصالة وثراء وطن؟ هل يعيد الزمن ألوان خدة، «الإخوة راسم» وإسياخم؟.. هل سنصون الأمانة ونعيد الزمن الجميل في الثقافة لجزائرنا؟

ز. أيت سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى