أخبار المشاهير

إيدير .. أو القامة الخالدة بقلب ينبض بحب الوطن والوفاء للبدايات

عام على رحيل سفير الفن الجزائري والصوت الجامع بألحان إنسانية

تحل اليوم، الذكرى الأولى لرحيل سفير الفن الجزائري وصاحب اللمسة العالمية الذي حمل الجزائر في قلبه وعبر إلى الضفة الأخرى يطرق أبواب القاعات الفخمة من القارات الخمس ليتقن تمثيلها بموسيقى نابعة من جذور تربة وطن عشقه باختلافاته وتنوعه. هو ابن قرية آث لحسن بتيزي وزو، هو الفنان الراحل حميد شريت.. هو السفير فوق العادة والمميز في كلماته وألحانه وابن جبال جرجرة التي استمد من علوها وشموخها رجولته وشرّفها حيث حط الرحال، المرحوم إيدير.
اختصر المشوار بتسعة ألبومات غنى فيها كل شيء، عن الغربة التي تذوّق مراراتها، عن الهوية التي ناضل من أجل إعادة الاعتبار لها، عن العادات والتقاليد التي أسست الجزائر -على غرار غيرها من الأمم شخصيتها- وعن بياض البلد وسواده. كان إيدير في ديار الغربة وضبط يومياته على جديد ويوميات الوطن. وحين يقف على الخشبة ليطرب جمهوره يترجم صوته كل الأحاسيس والمشاعر وهو ينقل الجالية من رائعة لأخرى من جملة ابداعاته التي جعلت منه الفنان الكبير والنجم الذي لامس السماء ولم يفرط يوما في بداياته تلك الأماكن التي ارتبطت بسنين طفولته، ولم تغادره يوما رغم الغربة والترحال.
الوفي لروائعه لن يمحي -بل سيلقن الدرس للابن والحفيد- أغان تنتمي للكنوز الفنية الجزائرية واقتاتت منها ثقافات أخرى لعذوبة اللحن، ولعل نجاح «اسندو» وعدد اللغات التي ترجمت إليها كانت ستكفي لتؤكد أن الرجل عالمي وملكا للإنسانية.
فنان القرى والمدن الذي لم تغريه الصفقات والعروض، بقي متمسكا بهواء أعالي أث يني ولا يتردد -كلما سنحت له الفرص- من الوقوف أمام تلك الربوة بمسقط رأسه -أث لحسن- أو مجالسة الناس في «ثاجماعث» وكأنه يقنعهم أنه منهم ولم تغير الأسفار منه شيئا. تواضع وصوت خافت وقبل يكن حبا لبلد وشعبه واحتراما للعالم، وفي كل محطة يدرك أن عنوانه الثابت هو الإنسانية ومن أجل ذلك رفض التعصب والانحياز. عاش بهذا المبدأ إلى أخر نفس من عمره.
من «أفافا اينوفا» إلى «أذرار-اينو» صنع إيدير اسمه بتسعة ألبومات ستظل الأجيال تردد أغانيها وتخلد روحه في القلوب.

من الجيولوجيا إلى خدمة الفن ثم الوداع

بلغ السبعين من العمر وأخذت الأسقام تحوم حوله، لا تفارقه ابتسامته التي يأخذها معه أينما ذهب، يتذكّر سيرة الشاب الذي غادر قريته آث يني صغيرًا، نحو ديار السعادة بالعاصمة، ثم نحو باريس. يحتضن معه قيثارته التي عاشت معه عقودًا من الحلم، ذلك الشاب الذي درس الجيولوجيا، واشتغل لفترة بإحدى الشركات النفطية.
قلب إيدير كل الأقدار ومضى في سبيل بعيد جدا عن الحفر والتنقيب، أو ربّما منقّبًا في الطبقات الجيولوجية العميقة للموسيقى والفن، بحثًا عن أعذب ألحانه، لقد اختار أن يلبس اسمًا جديدًا وحياة جديدة، في قريته الصغيرة لم يعلم الناس أنّ حميد شريط هو ايدير، ابن القرية المحبوب من طرف الجميع، قد بدأ يصنع للتو مجدًا لنفسه. لقد منحت آث يني عاصمة الفضّة، هذا العالم حنجرة من ذهب.
شكّل إيدير علامة فارقة في الفن الأمازيغي، ففي أغانيه يتجلّى تعلّق الأمازيغي بالأرض، وتشبّثه بهويته، كانت روائعه اتعيد سامعها لسنوات الطفولة، لأغاني الجدّات والأمهات، لزوايا الغرفة الصغيرة والبيت الحجري، الذي يتقاسم فيه الأهل ضيق المكان وفسحة القلب.
قاله عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو عن إيدير ملخّصًا لمعدن الرجل «إيدير ليس شخصًا عاديًا، هو فرد من كل عائلة». وان يكون الشاهد من بعيد فذلك تأكيد أن الراحل كان الجامع، الموحد والرافض للشتات. كان من القلائل الذين نجحوا في تحديد مسافة بين فنه والسياسة، فكان الحياد فلسفة حياته، فلم ينطق يوما بما سبب له إحراجا، وكان دوما يكرر «لما لا أملك ما أقول أصمت.»
عاش إيدير وفي قلبه جمر متقد إزاء وضع الأمازيغية في الجزائر، ألا أنه كان يحمل دائمًا نظرة مغايرة للقضية، كان يدافع عن هويته داخل الإطار الوطني لا خارجه، فحين عاد للجزائر للغناء بعد 39 سنة من الغياب، أعلن من ركح القاعة البيضاوية وفي منابر أخرى أنه «لا جزائر دون منطقة القبائل ولا وجود لمنطقة القبائل دون الجزائر».
حارب جسدُه المرهق مرضا نال من رئتيه ولم يشأ أن يغادره، من حين لأخر يطل من على أريكة منزله متحدثًا بصوتٍ خافت ليقول لمحبيه «أنا هنا، لم أمت»، لكنه استسلم ليلة الـ 02 ماي من العام الماضي في عز جائحة كورونا، وغادر الحياة تاركًا وراءه ترانيم للحب والسلام.
صاحب «القيثارة» الذي عزف ألحان الوطن من خارج جغرافيته، إيدير المطرب الذي رحل وفي قلبه حلم راوده ولم يتحقق بتنظيم جولة فنية عبر ولايات الوطن، قناعة منه أنه ينتمي للجزائر وليس لجهة أو منطقة واحدة كان الحنين لارتشاف آخر كوب قهوة بحي «ديار السعادة» الشعبي الذي كبر فيه بقلب العاصمة لكن الأقدار شاءت منطقا أخر.

من حضن الأم .. كانت البداية
كان الفضل لأمه «نا ذهبية» في كل ما وصل إليه إيدير. كانت شاعرة زمنها ورضع منها الابن حليب الشعر قبل أن يدول قافيتها، وحين يتحدث «حميد» عن مهد البدايات لا يملك عقدة بل يغمر قلبه الفخر والاعتزاز وهو الذي قال يوما « لقد نشأت في عائلة متواضعة، تربيت على صورة والدي وهو يخرج أغنامه فجرًا ويعود بها مع غروب الشمس، نشأت مع جدتي ومع أمي التي كانت تمخض حليب ماشيتنا. كان ما تقوله لي أمي ليس مجرّد كلمات، لقد كانت مدرستي الأولى، لقد كانت شاعرة بمواصفات زمنها، كان الناس يأتون من قرى بعيدة لسماعها، السبب في كل ما وصلت إليه، هو أنني لم أنس من أين أتيت».

ز. أيت سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى